عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

480

اللباب في علوم الكتاب

كاتب ، وصل الفعل فيه المفعولين : أحدهما : مسرح « 1 » ، وهو ضمير الأساطير والآخر مقيّد « 2 » ، وهو ضميره عليه السلام « 3 » - ، ثم اتسع في الفعل ، فحذف حرف الجر ، فصار « اكتتبها إياه كاتب » ، فإذا بني هذا للمفعول إنما ينوب عن الفاعل المفعول المسرح لفظا وتقديرا ، لا المسرح لفظا المقيد تقديرا ، فعلى هذا كان يكون التركيب ( اكتتبه ) لا ( اكتتبها ) ، وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع ، قال الفرزدق : 3861 - ومنّا الّذي اختير الرجال سماحة * وجودا إذا هبّ الرياح الزّعازع « 4 » ولو جاء على ما قدره الزمخشري لجاء التركيب : ومنّا الذي اختيره الرجال . لأن ( اختير ) تعدى إلى الرجال بإسقاط حرف الجر ؛ إذ تقديره : اختير من الرجال « 5 » . وهو اعتراض حسن بالنسبة « 6 » إلى مذهب الجمهور ، ولكن الزمخشري قد لا يلتزمه ، ويوافق الأخفش والكوفيين ، وإذا كان الأخفش وهم يتركون المسرح لفظا وتقديرا ، ويقيمون المجرور بالحرف مع وجوده ، فهذا « 7 » أولى « 8 » . والظاهر أن الجملة من قوله « اكتتبها فهي تملى » من تتمة قول الكفار « 9 » . وعن الحسن أنها من كلام الباري تعالى ، وكان حق الكلام على هذا أن يقرأ « أكتتبها » بهمزة مقطوعة مفتوحة للاستفهام « 10 » كقوله : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ « 11 » [ سبأ : 8 ] . ويمكن أن يعتذر عنه أنه حذف الهمزة للعلم بها كقوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [ الشعراء : 22 ] . وقول الآخر :

--> ( 1 ) أي تعدى إليه الفعل بنفسه لا بحرف الجر . ( 2 ) أي تعدى إليه الفعل بحرف الجر . ( 3 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 4 ) البيت من بحر الطويل ، قاله الفرزدق . سماحة وجودا : مصدران منصوبان على المفعول لأجله ، كأنه قيل : اختير من الرجال لسماحته وجوده ، ويجوز أن يكونا حالين أو تمييزين . الزعازع : جمع زعزع ، وهي الرياح التي تهب بشدة ، عنى بذلك الشتاء والشاهد فيه أن نائب الفاعل في قوله ( اختير ) ضمير مستتر يعود على المفهوم من الكلام المتقدم ، وهو المفعول الأول الذي تعدى إليه الفعل بنفسه ، و ( الرجال ) هو المفعول الثاني ، وهو منصوب في البيت على نزع الخافض ، والتقدير : من الرجال . وفي ب : والزعازع . وهو تحريف . ( 5 ) في ب : ما النسبة . وهو تحريف . ( 6 ) البحر المحيط 6 / 482 . ( 7 ) في ب : وهذا . ( 8 ) ذهب الكوفيون ووافقهم بعض المتأخرين إلى أن قيام المفعول به المجرور مقام الفاعل أولى لا أنه واجب ، والأخفش أجاز نيابة الظرف والمصدر مع وجود المفعول به ، بشرط تقدمهما على المفعول به ووصفهما . وجوز الفراء وابن مالك في الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين ثانيهما بحرف الجر عند بنائه للمفعول إقامة الثاني نحو اختير الرجال زيدا . الكافية 1 / 84 - 85 ، الهمع 1 / 162 . ( 9 ) انظر البحر المحيط 6 / 482 . ( 10 ) انظر الكشاف 3 / 89 ، البحر المحيط 6 / 482 . ( 11 ) [ سبأ : 8 ] . والاستشهاد بالآية أن هذا من كلام اللّه ، يدل على ذلك مجيء الهمزة المفتوحة بالقطع للاستفهام ، فلو كان ( اكتتبها ) من كلام اللّه لجيء بهمزة الاستفهام قبله .